أيُّ الألوان تسمع؟
بقلم: ستيفن فليسكفريزر مجلة كوزموس – العدد 84 – ترجمة: ديمة أبو ظهر
كان متحف لندن للعلوم مصدر إلهام كثيرين لعدة سنوات. فهو يحوي عجائب الآلات التي تراوح بين المحركات البخارية، ومحرك الفروقات المقسمة لباباج – وهو كمبيوتر أولي – إلى إعادة بناء نموذج الحلزون المزدوج للحمض النووي لكريك وواتسون. ومع ذلك، في عام 1995م، كان معرضًا عاديًّا ليغير عالم الطفل نيل هاربيسون ذي الإحدى عشرة سنة.
وضعه الأمر في البداية على الطريق المعقد والصعب، وأحيانًا المجابه ليصبح أول سايبورغ (إنسان بأعضاء آلية) معترف به قانونيًّا في العالم – مكتمل بهوائي مزروع جراحيًّا في جمجمته.
نشأ هاربيسون في برشلونا مع أمه الكتالونية وأبيه الإيرلندي. وكتب المقطوعات الموسيقية وعزف البيانو منذ صغره، لكن حواسه لم تكن متناغمة تمامًا. فالطريقة التي يتحدث بها الناس عن الألوان لم تكن تلقى صدىً عنده.
يقول لكوزموس: عندما كنت صغيرًا كنت أظن أنني أرى الألوان، وأنني لم أكن أستطيع رؤية بعضها، أو أنني كنت أخلط بينها.
قرَّر هو وعائلته أنه مصاب بعمى الألوان – ولكن يجب أن يتغيَّر هذا الأمر.
يقول: في متحف العلوم، كان هناك قسم حيث يمكنك اختبار عمى الألوان، وهناك اكتشفنا الأمر؛ لأننا أدركنا هناك أنني لم أكن أرى اختبارات إيشيهارا، لمعرفة أي نوع من عمى الألوان أعاني منه.
لم يستطع رؤيتها على الإطلاق، ثم كشفت اختبارات لاحقة أنَّ لديه حالة نادرة تُعرف بعمى الألوان التام.
يقول هاربيسون: لطالما كنت مهتمًّا بالصوت، ولكن منذ أن علمت أنني لا أستطيع رؤيته، أصبحت مهتماً بالألوان.
عندما كنت صغيراً كنت أظن أنني أرى الألوان، وأنني لم أكن أستطيع رؤية بعضها، أو أنني كنت أخلط بينها
أصبح الأمر، في الواقع، أشبه بالدين. لا يمكن رؤية الإله، ولكن لا يفتأ الناس الحديث عنه، لكن بدت الألوان أشبه بالأطياف والأرواح التي تقفز حول الأشياء. علاوة على ذلك، كان يستطيع رؤية نتائج هذه القوة غير المرئية – آثارها على الناس والمجتمع – وأراد معرفة المزيد.
في عمر السادسة عشر، على الطلاب في إسبانيا اختيار فرع في البكالوريا: سواء الفرع العلمي، أم العلوم الاجتماعية، أم الفرع الأدبي، أم الفنون. اختار هاربيسون الفنون، معتقدًا أنها هي التي ستتيح له فهم ما لم يستطع رؤيته. فقد أصبح شغوفًا. وبعد إنهائه الدراسة، انضم إلى كلية دارتنغتون للفنون في المملكة المتحدة، وهي مؤسسة شريكة لجامعة بليماوث، وبدأ بدمج اهتمامه المكتشف حديثًا للألوان بحبه القديم للموسيقى.
تعثَّر بعمل السير إسحق نيوتن عن اللون وعن علاقته بالصوت. باستخدام الموشور، جزَّأ نيوتن اللون الأبيض إلى الألوان المؤلِفة له، ثم ضمَّها معًا مجددًا ليشكل اللون الأبيض من جديد. قسَّم قوس قزح إلى سبعة أقسام – الأحمر، البرتقالي، الأصفر، الأخضر، الأزرق، النيلي، والبنفسجي – ليس لأن هذا ما كان عليه الضوء حقًّا، بل لأنَّ هذا هو عدد النغمات في الأوكتاف. اللون النيلي والبرتقالي هما من أدوات الموسيقى، وليست مناطق مميزة من الطيف. توصل نيوتن إلى الإدراك أنَّ كلا الصوت واللون هما عبارة عن ترددات، وهو ارتباط أسر الإغريق القدامى أيضًا.
يقول هاربيسون: هنا حيث بدأ كل شيء، إيجاد الارتباط بين اللون والأنماط الأخرى من الترددات كالصوت.
تطورت التكنولوجيا من هنا. جاءت مستويات الصوت لتمثل صفاء اللون، واستُخدمت النغمات الدقيقة – نغمات بين النوتات الموسيقيّة التقليديّة – لتمثل كل الـ 360 درجة على قرص الألوان. كذلك تطوّر عقله: حيث طوّر نغمة أكثر من مثالية في أوكتاف، يمكنه من تمييز ميكروتونات متلاشية.
كان هذا النظام محاولة بدائيّة لتنفيذ مخطط أولي لكيفيّة سماع اللون. «كانت الخطة في البداية هي أن أحصل على عين ثالثة مزروعة في جبهتي. ستمكنني العين الثالثة من إدراك اللون من خلال الصوت، لكنني أدركت لاحقًا أنَّ امتلاكي لعضو في جبهتي سيمكنني فقط من الإحساس بالألوان الموجودة أمامي، بينما سيمكنني هوائي من رؤية الألوان على مدار 360 درجة دون الحاجة إلى النظر إليها بشكل أساسي».

هاربيسون يخطط ترددات الأصوات الفعلية لألوان الطيف المرئي، من النغمة F بلون “أحمر هادئ، إلى E عالية بلون وردي مثير.
قرر هاربيسون أيضًا أن يتعدى هذه التكنولوجيا الخارجية كسماعات الأذن، وآثر توصيل العظام. العظام، الأشبه بالخشب، هي موصل رائع للصوت، حيث سيولد قالب معدني مثبت في مؤخرة رأسه الصوت الذي يمر إلى أذنيه من خلال العظم.
كذلك توسع إحساسه بالألوان، جزئيًّا لأسباب تتعلق بالفيزياء. حاول نيوتن أن ينشر الطيف المرئي على مدى الأوكتاف، ولكن كان ذلك عقيمًا، بأفضل الأحوال، قارَب من النغمة السادسة الرئيسة. يقول هاربيسون: «مقياس اللون إلى الصوت الذي وضعه نيوتن ليس صحيحًا، إنه متحيِّز، والنظرية التي اقترحها لم تكن مبنية على الواقع.
نحن نعرف الآن أنَّ اللون الأحمر له تردد 420 مليونًا من مليون من الموجات بالثانية، وهذا يعني أنه على تردد هذه النغمة سيسمع نغمة بين F و F#». إنَّ مهمة ضم الصوت والضوء أصعب مما تبدو.
كان حلُّ هاربيسون هو ابتكار مقياسين يمكنه التبديل بينهما؛ الأول هو مقياس سونوكروم – مصطلح وضعه بنفسه. وهو يشير إلى الـ360 ميكروتونًا للضوء المرئي المنتقل إلى الأوكتاف. المقياس الآخر هو انتقال صرف من اللون إلى الصوت، ولكن هذا بعيد عن البساطة، كما اكتشف نيوتن. يقول هاربيسون «المشكلة هي أنك عندما تنقل اللون إلى صوت، كل ألوان الطيف المرئية تقع داخل أقل من أوكتاف واحد».
«F ليس لونًا مرئيًّا، إنه أشعة تحت حمراء، لهذا السبب ابتكرت مقياسين مختلفين؛ الأول ليسمح بملاءمة الطيف المرئي داخل أوكتاف واحد، F إلى F، والآخر صافي، بحيث لا يتلاءم داخل أوكتاف، وهذا هو الصحيح. ويمكنك وضع الأشعة تحت الحمراء في F وهكذا إلى الأعلى حتى تستطيع إكمال الأوكتاف بملئه حتى الأشعة فوق البنفسجية».
في عام 2012م، كتب هاربيسون عن حواسه المتوسعة: «لذا أستطيع الآن أن أدرك الأشعة تحت الحمراء، وهذا ما يعني أنني أستطيع أن أسمع ما إذا هناك مستشعرات حركة في الغرفة أو إذا كان أحدهم يوجه جهاز تحكم عن بعد نحوي. الأمر الجيد في سماع الأشعة فوق البنفسجية هو أنك تستطيع أن تسمع ما إذا كان اليوم مناسبًا لحمام شمس أم لا. فوق البنفسجية هو لون خطر، إنه لون يمكن أن يقتلنا، لذلك سيكون من المفيد لنا في الواقع أن نكون قادرين على إدراكه».
مع حلول عام 2010م، تقلَّصت الكاميرا والكمبيوتر البدين إلى هوائي وصفيحة مخصصة موصولة في مؤخرة جمجمة هاربيسون. وفي هذه المرحلة، أصبح سايبورغ وظيفي لعدة سنوات، ولكنه أراد المضي إلى أبعد من ذلك.
لقد أراد أن يتحول إلى تكنولوجيا.
فوضع خطة لزرع هذه التكنولوجيا بشكل دائم في جسمه: «لتثبيت الهوائي في جمجمتي بحيث يندمج الهوائي مع العظم».
ولكن تبين أنَّ هذا بعيد كل البعد عن السهولة. فعلى الرغم من بناء الجهاز وتركيزه على العظم القذالي العلوي باعتباره الموقع الأمثل لتركيبه، إلا أنَّ العثور على أخصائي طبي للقيام بهذا العمل صعب.
أخبره الكثيرون أنَّ ذلك مستحيل، في النهاية، نصحه أحدهم بالذهاب إلى القنوات الرسميّة إذا أراد فرصة حتى لإجراء العمليّة.
فيقول: «لذا قدمت هذه العمليّة للجنة الأخلاقيّات الحيويّة، وقرروا أنه من غير الأخلاقي زرعه لثلاثة أسباب؛ لأنه ليس عضوًا موجودًا من قبل، فلو أنه يدٌ أو ساقٌ لكان أخلاقيًّا، ولكنه عضو غير بشري كالهوائي ليس أخلاقيًّا».
«كما أنَّ الإحساس بالأشعة تحت الحمراء وفوق البنفسجية ليس أخلاقيًّا أيضًا. قالوا إنه يتعدى إدراك البشر. كما أنهم كانوا قلقين بشأن صورة المستشفى إذا خرج منها شخص وهوائي ناتئ من رأسه».
وجد في عام 2013م جراحًا مجهولاً وافق على إجراء العلمية، ولاحقًا التقى مع عدد من الأطباء الذين رأوا الموقف الأخلاقي، كالذي ووجه في خمسينيات وستينيات القرن الماضي عن عمليات التحوُّل الجنسي. يقول: «إنهم يشعرون كما نشعر، بأنَّ هذا سيكون عاديًّا في المستقبل».
ستبدأ عملية التكيُّف مع الحاسة السايبورغية الجديدة منذ أول تجسيد تكنولوجي، ولم تكن سهلة دائمًا.
يقول: «في البداية، كنت في فقاعة، أحس بفوضى الأصوات والألوان، وكنت أحاول أن أفهم كل هذه الفوضى، حيثما أنظر أسمع نغمات مختلفة، وكنت مصدومًا من إدراكي بأنَّ الألوان منتشرة في كل مكان على الإطلاق، لذا كنت في فقاعة لعدة أشهر، في الواقع، لعدة سنوات لم أكن قادرًا على التعبير عما كنت أشعر به».

تكيف دماغ هاربيسون ليسمع اهتزازات الألوان الصغيرة، مما سمح له بـ”تأليف” مشاهير مثل باميلا آندرسن. المصدر: ثيري مونيس / غيتي إمجز.
بدأ سماع الألوان يغيّر تجربته عن العالم، وأصبحت الأصوات العاديّة ملوّنة: بدأت نغمات رنين الهاتف تبدو لونًا أخضر، ونبضات البي بي سي أصبحت لونًا فيروزيًّا.
كما تغيَّر ذوقه في الموضة بشكل جذري. فهو يرتدي بشكل غريب كتلاً من الألوان النابضة بالحياة. ويتعامل مع هذا الأمر بطرافة: «كنت أرتدي الملابس بطريقة يبدو مظهرها جيدًا، أما الآن، فأرتدي الملابس بطريقة يبدو مسمعها جيدًا». في الواقع، إنه يتهندم بحسب الحبال الصوتية: العالية للأيام الأكثر تفاؤلاً، والأقصر للأيام الأكثر كآبة.
حتى الأشخاص من حوله بدؤوا بالتغيُّر: فالوجه الذي ظنَّه جذَّابًا يومًا ما، بدا مسمعه رديئًا، والوجه البسيط قد يبدو مسمعه خلابًا، لقد تغيَّرت نظرته الأساسية إلى الجمال.
كون المرء سايبورغًا يتعلق بشكل أساسي بالهوية، هوية تعززت بالنسبة إلى هاربيسون عندما حلم لأول مرة بالألوان. حيث انتقل من استخدام التكنولوجيا إلى كونه تكنولوجيا. أصبح هذا الأمر رسميًّا نوعًا ما عندما وافقت الحكومة البريطانية على منحه جواز سفر تُظهر صورته بالهوائي الناتئ. كانت حجته أنَّ الأداة الإلكترونية لم تكن تحجب نفسه الحقيقية، بل هي جزء من نفسه الحقيقية.
إلا أنَّ هذا لم يحل جميع مشكلاته. حيث جرت مهاجمته في لندن، والهندوراس، وبرشلونة، إذ اعتقدت الاستخبارات الإسبانية السرية أنه كان يصورهم، وحاولوا نزع الهوائي من مكانه.
بدأ هاربيسون مؤسسة سايبورغ (Cyborg) في عام 2010م، مع صديقته القديمة وشريكته الفنية وزميلته السايبورغية موون ريباز (لديها زرع يسمح لها باستشعار الزلازل البعيدة). المؤسسة هي «منظمة دوليّة تهدف إلى مساعدة البشر على أن يصبحوا آليين، والدفاع عن حقوق الإنسان الآلي والترويج لفن السايبورغ».
والفن هو المفتاح لفهم هاربيسون السايبورغ، حيث لوّن أسطوانات الألبومات بالألوان التي تهيمن في أثناء استماعه إليها، وقام بتأليف لوحات صوتية لوجوه شهيرة من دانييل رادكليف إلى آل غور. كما حوّل خطابات شهيرة إلى تراكيب ألوان مرئيّة، وهذا ما شوش الجمهور الذي لم يتمكّن من تمييز خطاب لهيتلر من خطاب لمارتن لوثر كينغ.
كما قام بحفلات وجه، بتحويل ألوان وجوه الجمهور إلى نغمات يمكنه قولبتها وتحسينها. وقد كتب ساخرًا في عام 2012م: «الأمر الجيد في هذا هو إذا لم تكن الحفلة جيدة، فالجمهور هو السبب». ولكن بينما تستمر حياته كإنسان آلي، كذلك تحوَّلت أفكاره حول الفن، فيقول: «أصبحت أرى اليوم الهوائي فنًّا».
«فن خلق حواسك الخاصة هو في خلق أعضائك الخاصة، يجب أن يُنظر إليه كشكل جديد من أشكال الفن، أنا أراه مثل فنِّ السايبورغ».
كما أشار إلى فن السايبورغ هذا على أنه “إدراكية” [فلسفة أن الواقع يستند إلى إحساسنا بالمدارك]، وقد تعزز هذا بالعنصر المركزي لتجربته الخاصة: ألا وهو التحول في إدراكه للعالم ولطريقة عمل عقله.

موون ريباز، صديقة هاربيسون القديمة ومعاونته، تهدف إلى الارتقاء بالسايبورغية والإحساس الصناعي وحمايته. تستطيع ريباز التواصل مع هاربيسون برموز مورس عن طريق زرعة في الأسنان المصدر: جيمس كينغ هولمز / غيتي إمجز
يأمل فن السايبورغ الإدراكي هذا أن يواجه العالم من جديد بإضافة حواس غير بشرية تقليديًّا، يُستمد كثير منها من أنواع غير بشريّة. يشعر هاربيسون أنه أقرب إلى أنواع أخرى من قربه إلى الروبوتات؛ فهو يعشق البرامج الوثائقيّة عن الطبيعة، وقليلاً ما يهتم بالخيال العلمي.
ولهذا السبب، في عام 2017م، أسس جمعية عبر الأنواع (Transpecies Society)، وهي منظمة تشبه مؤسسة سايبورغ ولكن لأولئك الذين تبقى هويتهم بين غير البشر. تهدف الجمعية أيضًا إلى تصميم وبناء حواس جديدة، عادةً ما تُبنى بالهندسة العكسية لحواس أنواع أخرى – إنه نوع من المحاكاة الحيوية. يقول لكوزموس: «النظام الذي أستخدمه لإدراك الألوان يشبه نظيره عند الدلافين. فالدلافين ليس لها آذان، لكنها تدرك الأصوات عن طريق التوصيل العظمي، وهو النظام ذاته في مؤخرة رأسي. كذلك الإحساس بالأشعة تحت الحمراء وفوق البنفسجية هو أحساس تمتلكه أجناس كثيرة. لهذا السبب نستخدم مصطلح عابر للأنواع، لأنَّ معظم حواسنا وأعضائنا موجودة بالفعل عند أجناس أخرى».
إنَّ هذا البعد العابر للأنواع لهوية هاربيسون الآلي هي ما تجعله مختلفًا بشكل جوهري عن كثير من الساعين إلى مستقبل الإنسان الآلي. يُعرف معظم دعاة السايبورغ المرئيين باسم أنصار ما بعد الإنسانية، وينتمي كثير منهم إلى منظمة H+، أو Humanity Plus.
يأمل أنصار ما بعد الإنسانية تحديث الجسم البشري وتحسينه باستخدام هندسة الطب البيولوجي، وعلوم الكمبيوتر، والأطراف الصناعية، وعلم الأعصاب، والروبوتات وأي علوم وتكنولوجيا أخرى يمكن تسخيرها لتتجاوز حدود الإنسان.
الأمل الأكثر تطرفًا في النهاية أن يصبح شيئًا آخر تمامًا، شيئًا يتعدى الإنسان. ويدعو كثيرين إلى “الحرية المورفولوجية”، الحق في تغيير أجسادهم بأي طريقة يرونها مناسبة، وإجراء تدخلات جراحية لأسباب غير طبية. هنا يتفق هاربيسون معهم، ولكن هنا أيضًا تنتهي أوجه التشابه. إنه يرى نفسه مختلفًا وليس أفضل.
قام هاربيسون أيضًا بتوسيع إحساسه من خلال تعديل جهازه المزروع ليكون متوافقًا مع تقنية البلوتوث. يمكنه الاتصال بالإنترنت وعادة ما يقضي وقته في سماع ألوان الأرض عبر البث المباشر لفيديو محطة الفضاء الدوليّة. كما أعطى الإذن لمجموعة صغيرة من الأصدقاء البعيدين لإرسال الألوان مباشرة إلى رأسه، وهي ميزة امتدت أيضًا إلى زوار معرض فني.
عندما سُئل عن حدود التهجين التي لن يتجاوزها، شعر هاربيسون بالحيرة. فيتوقف مؤقتًا ويفكر: «لا أعرف… لا أعرف». لديه هو وموون أسنان مزودة بتقنية البلوتوث تسمح لهما بالتواصل سرًّا باستخدام شيفرة مورس، إلا أنَّ أكبر مشروع مقبل له هو ما يسمى بالتاج الشمسي، الذي يسعى إلى نسخة تصوّرية لتمدّد الزمن النسبي لآينشتاين.
يريد أن يزرع عضوًا جديدًا بين جلد وعظم رأسه يمكنها أن تنتج بقعة حرارية تدور حول جمجمته. يقول بحماس: «لقد انتهى تطبيقها بالفعل، إنها هنا، ولكننا بحاجة إلى تغيير بعض الأمور؛ لأنني كنت أحرق نفسي. يستغرق الأمر 24 ساعة للقيام بدورة كاملة وأنا أريد أن يعتاد عقلي على دورة الأربع وعشرين ساعة.
«عندما يصبح الأمر تحت عتبة الشعور تمامًا، وهذا قد يستغرق سنوات، نريد أن نرى إن كان هذا يسمح لنا بتغيير إدراكنا للوقت. بحيث، إذا رغبت باستمرار موقف معين لفترة أطول، أجعل نقطة الحرارة أبطأ أو أسرع، وبذلك أشعر أنَّ الوقت يمتد، أو يمضي أسرع. الهدف هو معرفة ما إذا كان بإمكاننا أن نصنع أوهام الوقت».
هناك عدد متزايد من السايبورغ في العالم. وهاربيسون محاط بفنانين سايبورغ، ولكن هناك كثير من السايبورغ العمليين في العالم. وهو يرى هذا الأمر باكورة شيء جديد للبشرية.
«هذه مجرد بداية نهضة جنسنا البشري، اليوم نقوم بذلك بطريقة بدائية للغاية عن طريق إضافة الرقائق والتكنولوجيا إلى الجسم، ولكن الخطوة التالية في هذا القرن هي القيام بذلك بيولوجيًّا. سيكون الهوائي الخاص بي مطبوعًا بشكل ثلاثي الأبعاد مع حمضي النووي. وستجري إضافة الإدراك بالأشعة فوق البنفسجية والأشعة تحت الحمراء عن طريق تعديل جيناتي الوراثية، وليس بإضافة رقاقة في رأسي. سيتم تعديلنا وراثيًّا دون دمج التكنولوجيا فينا، وبهذا سيورث هذا إلى الأجيال المقبلة، إذا قمت بتعديل نفسك جينيًّا، فسيولد أطفالك بحواس وأعضاء جديدة».

المصور الفوتوغرافي مانيل مونوز. أحد مؤسسي جمعية عبر الأنواع، وهو فنان سايبورغ مشهور بتطوير وتركيب أجهزة استشعار بارومترية في جسمه. تسمح له المستشعرات بالإحساس بتغييرات ضغط الجو من خلال نبضات بسرعات مختلفة في جمجمته.
إنه يرى هذا تقريبًا كحدث اصطفاء نوعي في تاريخ التطوّر البشري وكضرورة للبيئة.
ويشرح: «سيكون هناك كثير من الأنواع الفرعيّة. لا أظن أننا يجب أن نخاف من ذلك؛ لأنني أعتقد أنَّ هذا أمر إيجابي، لقد قمنا بتغيير وتصميم الكوكب منذ آلاف السنين، وقمنا بتحويل الكوكب إلى سايبورغ، وقمنا بتعديله وبتدميره نوعًا ما، ولكن إذا قمنا بتصميم وتعديل أنفسنا، فلن نضطر إلى تغيير الكوكب بعد ذلك».
«إذا كنا نتمتع برؤية ليلية، فستكون جميع المدن مظلمة، وبذلك سيتوقف استخدام الضوء الصناعي. سيكون هذا أفضل بكثير للكوكب، ولن نزعج الأنواع الأخرى إذا تمكنا من التحكم بدرجة حرارتنا. حيث سنكف عن استخدام السخانات ومكيفات الهواء، بدلاً من تغيير درجة حرارة الكوكب، سنغير درجة حرارتنا».
قد يكون السايبورغ فنًّا بالنسبة إلى هاربيسون، لكن مستقبل السايبورغ هو أيضًا مسألة بقاء نوعنا وعدد لا يحصى من الأنواع البشرية الأخرى أيضًا، «إما أن نغيِّر أنفسنا ونكف عن تغيير الكوكب، أو لا أعتقد أنَّ هناك حلًا آخر».