معرفة‭ ‬العرب

بالألعاب‭ ‬النارية

الإمبراطور المغولي محمد شاه (1702-1848م) يشاهد عرضًا للألعاب النارية

د. سائر بصمه جي- أستاذ تاريخ العلوم الأساسية – 21 يونيو 2021م

قمت بعملية مسح لمؤلفات مؤرخي تاريخ العلوم والتقنية الأجنبية التي تؤرخ لظهور الألعاب النارية، فلم أجد أن أحدًا منهم قد وثّق لمعرفة العرب بها. لذلك سنتعرف في هذا المقال إلى مراحل تطور الألعاب النارية في الحضارات السابقة، ثم سنعرّج على معرفة العرب بها.

في البدء كانت النار

ربما بدأ التعامل بالنار منذ نحو نصف مليون سنة، عندما أدرك رجال الكهوف أنهم شعروا بالبرد، فبدؤوا في حك قطع الخشب أو حجر الصوان معًا حتى تسبب الاحتكاك في اشتعال، أو ربما حصلوا على شعلتهم الأولى من إحدى الحرائق التي تسبب بها برق في الغابة.

وللبحث عن دليل على أول استخدام للنار في صنع «المؤثرات الخاصة»، من الضروري العودة إلى الوراء نحو 1400عام عندما استخدم الإغريق المواد البترولية والنفط بوصفه شكلًا مبكرًا من النابالم، وقد أُطلق عليها اسم «النار اليونانية» (1).

الصينيون

بحلول القرن الثامن الميلادي، كان الكيميائيون الصينيون، من بين الآخرين، منشغلين بالبحث عن إكسير الحياة. فقاموا بعمل اقتران يحوي على جميع أنواع المواد بما في ذلك الزيوت والعسل وشمع العسل، ولكن من أهمها، فيما يتعلّق بصناعة الألعاب النارية في المستقبل، مكونات الكبريت والملح. طبعًا لم يكن معروفًا بالنسبة إلى القدماء أنَّ خمير العسل والكبريت والملح (نترات البوتاسيوم) مزيج مميز عند تعريضه للحرارة؛ إذْ ستندلع فجأة كتلة من اللهب.

وعن طريق المصادفة، توصل المجربون إلى النسب الدقيقة التي يعمل بها الكبريت المنصهر وما تبقى من العسل كوقود يتأكسد لاحقًا بالأكسجين من نترات البوتاسيوم، وهو الذي يعرف حاليًا باسم (التفاعل الكيميائي الطارد للحرارة)، وقد كان قويًّا إلى حدٍّ ما.

ولا يزال الكبريت والملح يُستخدمان من الكيميائيين حتى يومنا هذا، فيما يعدُّ بلا شك أهم أداة لصانعي الألعاب النارية؛ أي البارود.

أدّت هذه التجارب المبكرة الخطيرة إلى كثير من الوصفات السرية أو المحظورة، ولكن نشرت معلومات كافية للسماح بانتقال تفاصيل الاكتشاف إلى أوروبا. ومع ذلك، لا يزال مكان وتاريخ اختراع البارود الحقيقي غير معروفين، وخضعا لتحقيقات واسعة النطاق، ولكنها غير حاسمة.

مع إطلاق العنان للاتجاهات التفاعلية لنترات البوتاسيوم، كانت مجرد مسألة وقت قبل إضافة المكون الحيوي الثالث، وهو الفحم، لإكمال وصفة البارود الشهيرة من الفحم النباتي والكبريت ونترات البوتاسيوم، وقد أنفق كثير من الوقت والجهد قبل أن ينتج الكيميائيون منتجًا ناجحًا.

ظهرت الاستخدامات الأكثر سلمية لهذه المواد الخام على شكل (مفرقعات نارية)، وهي الألعاب النارية الأولى. وكل هذه المخاليط الحارقة، التي يُفترض أنها تحتوي على الملح الصخري، مذكورة في الأعمال الصينية التي يعود تاريخها إلى القرن الحادي عشر الميلادي (2).

ومع أنَّ البارود الصيني استُخدم في البداية للألعاب النارية والمتعة، في حين أول ما أحضر إلى أوروبا في القرن التاسع عشر، جرى تلقيمه في المدافع الأولى التي صنعها الهولنديون والألمان (3).

الاحتفال بالألعاب النارية في البلاط المغولي، مع اقتراب عيد ديوالي (مهرجان الأضواء الهندوسي)، حيث احتفل المغول بهذا المهرجان بقدر كبير من الحماس. وقد كان يُقام في الفترة من أكتوبر إلى نوفمبر. إنه يرتبط بشكل خاص مع (لاكشمي) إلهة الرخاء، ويمثل بداية السنة المالية في الهند.

العرب والمسلمون

حدثنا الرحالة الحسين بن محمد الورثيلاني (توفي 1193هـ/ 1779م) عن رؤيته للألعاب النارية التي شهدها بنفسه عندما كان يمرّ بمصر على مقربة من مدينة غزة، ومتوجهًا إلى الحجاز من أجل الحج، وهناك قام أحد الحجاج المصريين بإشعال ألعاب نارية كانت بحوزته، وأمتعهم برؤيتها.

قال الورثيلاني: « وبعد أن نزلنا من المنحدر الصعب جعلت الطريق تلتوي في شعاب كأنها أزقة يكثر فيها المخاوف والمتآلف، فيرى البحر من بعيد فيظن أنه قريب، ووصلنا البندر ظهرًا، ولم يبلغ الحاج إلى قرب العصر ووجدنا المصري به مخيِّمًا وأرسل إلينا أمير الحجاج إمامه، وأبلغنا سلامه، واسمه إبراهيم أبو شنب أقمنا بها الخميس والجمعة، وفيها حصن حصين في قرية على شاطئ البحر في سفح الجبل، وبها آبار كثيرة وفيها نخيل وسوق كبير يحضره أهل غزة، وتأتيه العرب بالإبل والغنم والسمن والعسل والعلف للدواب، ووجدنا الفول فيها رخيصًا أرخص ممن اكترى عليه من مصر، وبتنا بها وبات المصري هناك.

وأوقد المصري بالليل نيرانًا كثيرة وضرب المدافع ورمى المحارق في الهواء ولها منظر عجيب، وأسلوب غريب، كأنها شهب النجوم يرمى بها من الأرض إلى السماء فتراها في الجوّ طالعة حتى ترى من أعالي هام شوامخ الجبال دونها، ثم تتعطف راجعةً كأنها ثعبان أحمر، ثم يُسمع لها صوت وتخرج منها شرارات من النار، فإذا انقطعت تلك أتبعها بأخرى وخروجهن فيما نرى من نارٍ زرقاء كأنها نار الكبريت تشتعل اشتعالًا قويًا فتطلع منها تلك الشهب، ولا نعلم صنعة ذلك، وهي من الغرائب والرمي بها وبالمدافع عادة المصري في كل منزل أقام فيه إذا أراد الرحيل، قاله الإمام أبو سالم»(5).

\

الألعاب‭ ‬النارية‭ ‬الصينية‭ ‬القديمة

ويتضح من النص أنَّ عادة إطلاق هذه الألعاب النارية تعبير من المصريين عن الفرح والابتهاج، وفي الوقت نفسه عربون شكر وامتنان لمن أضافهم في طريق سفرهم.

لكن الورثيلاني لم يحدثنا كيف صنعها هذا الحاج، أو من أين أتى بها. ولو فعل لعرفنا كثيرًا عن مصدر مواد الألعاب النارية على الأقل في القرن الثامن عشر للميلاد.

على العموم يبدو أنَّ الحاج المصري كان يستخدم المواد الآتية في ألعابه النارية حتى استطاع إظهار الألوان:

اللون الأحمر: يعني أنه استخدم أملاح السترونشيوم أو أملاح الليثيوم.

اللون الأزرق: يعني أنه استخدم مركبات النحاس مع مركبات الكلور.

هكذا كان عرض الألعاب النارية الحمراء والزرقاء يبدو كما وصفها الورثيلاني (6).

من الناحية التاريخية، من المقبول أنَّ الألعاب النارية الأولى قد جرى تطويرها في بلدان الشرق الأقصى، ولا سيما الهند أو الصين، لعرضها في المهرجانات الدينية، وانتشرت هذه المعرفة بالفن لاحقًا إلى أوروبا، ربما عبر البلاد العربية. إذْ يعود الفضل إلى الإيطاليين في إدخال صناعة الألعاب النارية في أوروبا، وقد روَّجوا لاستخدامها في المناسبات العامة قبل اعتماد التصنيع من قبل الدول المجاورة، مثل فرنسا وألمانيا.

بحلول القرن السادس عشر، قُدِّمت عروض الألعاب النارية في إنجلترا، ومن الموثق أنَّ إليزابيث الأولى شاهدت مثل هذا الحدث في أغسطس 1572م (7)، وذلك في قلعة وارويك احتفالًا بزيارتها، وقد كانت صاحبة الجلالة مسرورة بالمشهد، وتبع ذلك عروض أخرى لكن بطريقة مختلفة تمامًا عن عروض الألعاب النارية التي تُقام في العصر الحديث(8).

Q

المراجع

1  Russell, Michael S., The Chemistry of Fireworks, 2nd Edition, Royal Society of Chemistry, Cambridge, 2009, p. 1.

2  Russell, Michael S., The Chemistry of Fireworks, 2nd Edition, Royal Society of Chemistry, Cambridge, 2009, p. 2.

3  Childress, David Hatcher, Technology of The Gods: The Incredible Sciences Of The Ancients, Adventures Unlimited Press, Kempton, 2000, p. 25.

4   مصدر الصورة والتعليق:

https://madhulikaliddle.com/2013/11/01/festivities-in-the-mughal-court/

5  الورثيلاني، الحسين بن محمد، الرحلة الورثيلانية (نزهة الأنظار في فضل علم التاريخ والأخبار)، ج1، ط1، مكتبة الثقافة الدينية، القاهرة، 2008م، ص 395396.

6 مصدر الصورة:

https://www.syr-res.com/article/17090.html

7  Russell, Michael S., The Chemistry of Fireworks, 2nd Edition, Royal Society of Chemistry, Cambridge, 2009, p. 1-15.

8  Smith, Tom, Firework Displays, Davas Ltd, 2011, p. 24-25.

Share This