تغير المناخ والصحة العقلية
د. ميرنا فواز – تمريض – جامعة بيروت العربية
منذ السبعينيات، يحاول العلماء فهم العمليات المتعلقة بالعوامل البيئية، والتي تؤدي إلى تغير المناخ، حيث غيرت الأنشطة البشرية تكوين الغلاف الجوي مما أدى إلى الاحتباس الحراري. يعد تغير المناخ أحد أكبر تحديات عصرنا، فعواقب تغير المناخ على المستويات البيولوجية، وكذلك على المجتمعات الضعيفة هي مصدر قلق للمجتمع العلمي بأكمله؛ إذ يمكن أن يتسبب ارتفاع درجات الحرارة والفيضانات والأعاصير والجفاف والحرائق وفقدان الغابات والأنهار الجليدية، إلى جانب التصحر، بشكل مباشر وغير مباشر، بأمراض بشرية جسدية وعقلية. لذلك، يجب على أنظمة الرعاية الصحية معالجة هذه القضية وعواقبها العالمية. وقد تم توثيق عواقب خطيرة وطويلة الأمد ودائمة لتغير المناخ المستمر على البشر وكذلك الطبيعة إذ إنه يؤثر في أهم العوامل الصحية الأساسية لدينا، مثل الوصول إلى الغذاء والماء، والهواء النظيف، والبيئة الآمنة مما له تأثير مباشر أو غير مباشر في صحة السكان ورفاهيتهم.
غالبًا ما ترتبط درجة الضغط النفسي الذي يشعر به الشخص بشأن تغير المناخ بكيفية تغيير بيئته أو تهديدها بشكل مباشر. في البلدان التي تعاني من الكوارث، من المحتمل أن نشهد زيادات في الاضطرابات العقلية، ويمكن تحسين القدرة على التعافي ببذل جهود تعزز تكيف الناس وقدرتهم على الصمود. ومع ذلك، حتى في البلدان التي لم تتأثر بشكل مباشر بالدمار الناجم عن تغير المناخ، هناك عديد من الروايات الشخصية والسريرية لمشاعر الاكتئاب واليأس والشعور بالذنب المرتبطة بأزمة تغير المناخ وغيرها من القضايا البيئية العالمية. العامل الرئيس الذي يسهم في القلق بشأن تغير المناخ هو معرفة أن الخطر قادم، بالإضافة إلى نقص النصوص أو المهارات أو الوكالة المباشرة الموجودة لإدارة هذا الخطر. يُفهم ما يسمى بالقلق البيئي على أنه وجود «قلق» فيما يتعلق بالتهديد الوجودي الذي يمثله تغير المناخ والأزمات البيئية ويلاحظ المتخصصون في الصحة العقلية بشكل متزايد الضيق المتعلق بالتغير البيئي الوشيك، مثل القلق البيئي والقلق البيئي المعتاد، على الرغم من عدم وجود إحصاءات رسمية حول عدد الأشخاص المتأثرين.
يتميز القلق البيئي بقلق شديد ومنهك بشأن المخاطر المناخية والبيئية ويمكن أن يثير ردود فعل دراماتيكية، مثل فقدان الشهية والأرق ونوبات الهلع بين المتضررين. ومع ذلك، بعيدًا عن كونه مرضًا عقليًا معاصرًا، هناك أدلة تشير إلى أن القلق البيئي والقلق البيئي المعتاد هما في الواقع استجابات تكيفية مع المناخ المتغير. القلق هو آلية إنذار تطورية تعمل على إبقائنا آمنين، بنفس الطريقة التي تجعلنا فيها مستقبلات الألم لدينا نحرك أيدينا بشكل انعكاسي بعيدًا عند حملها فوق لهب مكشوف. إذا كان الاحتمال المدرك للخطورة دقيقًا وكان القلق متناسبًا، فهذا يعد ميزة تكيفية للبقاء على قيد الحياة. يمكن أن يؤدي تأطير هذه الحالات النفسية كشرط إلى إنشاء ما يسمى بعقلية الضحية. في السنوات الثلاث الماضية، كانت هناك زيادة في اهتمام وسائل الإعلام حول القلق البيئي، حيث توصف الاستجابة المعقولة في الغالب لهذه الكارثة الإنسانية الخبيثة بأنها مرض عقلي جديد. بالنظر إلى أن تغير المناخ يمثل تهديدًا خطيرًا لصحة الإنسان ورفاهيته، فربما يكون من المفيد الشعور ببعض القلق.
على الرغم من أن عدم اتخاذ إجراء عالمي حاسم بشأن هذه القضية قد يعني أننا لسنا قلقين بما فيه الكفاية. ومع ذلك، فإن هذا الرأي يتجاهل مفهومين مهمين. أولًا: أن المجتمع العالمي وأنظمة الرعاية الصحية ليست جميعها مجهزة بشكل متساوٍ للتعامل مع قضايا الصحة العقلية المتعلقة بتغير المناخ مثل القلق البيئي، وثانيًا: أن الدول ليست مسؤولة بشكل متساوٍ عن السبب الرئيسي لتغير المناخ. لذلك، حان الوقت للنظر في تأثير تغير المناخ على الصحة العقلية من خلال العدسة التحليلية للعدالة المناخية، والتي تتصدر المعضلات الأخلاقية وأوجه عدم المساواة الأساسية المتعلقة بتغير المناخ، مع التركيز بشكل خاص على الفئات السكانية والمجموعات الأكثر تهميشًا. تكشف دراسات الصحة العقلية وأبحاث تغير المناخ أنه لا يتفاعل الجميع بحافز وعمل حاسم عند مواجهة القلق البيئي. بالنسبة للكثيرين، يؤدي الواقع المشؤوم لتغير المناخ إلى الشعور بالعجز عن تحسين الوضع، مما يتركهم مع شعور بالإحباط، مما يجعل القلق الذي يعانون منه منهكًا. لذا فالسؤال الرئيس هنا هو، من الأشخاص الأقل قدرة على التعامل مع آثار تغير المناخ في الصحة العقلية؟ غالبًا ما تحدد الدراسات الحاسمة حول تأثيرات تغير المناخ، على الرغم من عدم التركيز عادةً على الصحة العقلية، المجتمعات الأكثر تعرضًا لخطر الإصابة بقضايا الصحة العقلية المتعلقة بتغير المناخ.
تشير هذه الدراسات إلى أن القابلية للتأثر متغيرة وبالتالي موزعة بشكل مختلف عبر المجتمعات والأفراد. فالسكان الذين يعانون من حالات صحية مزمنة موجودة مسبقًا، ووضع اجتماعي اقتصادي منخفض، والأطفال، وكبار السن، وبعض مجموعات الأقليات العرقية معرضون بشكل خاص للتأثيرات الصحية لتغير المناخ ولديهم قدرة منخفضة في التكيف. وغالبًا ما يفتقر هؤلاء السكان إلى المرونة المالية والاجتماعية أو المرونة المجتمعية اللازمة للتعامل مع المخاطر البيئية الجديدة أو الإجهاد المناخي وإدارته والتعافي منه. مما يوجب أن تمتد هذه الاعتبارات من التركيز التقليدي على الصحة البدنية إلى الصحة العقلية والرفاهية. في عديد من البلدان، لا سيما في البلدان المنخفضة الدخل والبلدان المتوسطة الدخل، فإن أقل البلدان قدرة على التعامل مع آثار تغير المناخ على الصحة العقلية هم من بين الأقل مسؤولية عن التسبب في ذلك. المناطق والمجموعات السكانية التي تعاني حاليًا من أكبر زيادة في الأمراض التي تُعزى إلى ارتفاع درجة الحرارة هي الأقل مسؤولية عن انبعاثات غازات الدفيئة التي تؤدي إلى ارتفاع درجة حرارة كوكب الأرض تبرز العدالة المناخية هنا عدم المساواة المزدوجة لتغير المناخ، حيث يوجد توزيع عكسي بين المخاطر والمسؤولية. فتعد البلدان المتقدمة مسؤولة تاريخيًا ولكنها تواجه أقل مخاطر الآثار السلبية، في حين أن تلك البلدان الأقل مسؤولية لديها أكبر التهديدات لسبل العيش والموارد والأمن الصحي والمجتمعي.
علاوة على ذلك، هناك أدلة تشير إلى أن تغير المناخ يؤدي إلى تفاقم التفاوتات الشديدة في الصحة العقلية داخل الدول. وعليه، فمن الواضح أن الضغط المرتبط بالفعل بالتباينات الموجودة مسبقًا في الصحة العقلية سوف يتفاقم أكثر بسبب التغيرات المناخية والبيئية في المستقبل. لذلك يحتاج الباحثون والممارسون إلى إيلاء المزيد من الاهتمام للتأثيرات البيئية في الصحة البدنية والعقلية للفرد. ومع ذلك، فإن اضطرابات الصحة العقلية الناجمة عن تغير المناخ أقل وضوحًا من الاضطرابات الجسدية، لا سيما في البلدان النامية حيث تحتل الصحة العقلية مكانة منخفضة نسبيًا في جداول أعمال الحكومات والمنظمات غير الحكومية. لذلك، فإن المهمة التي تنتظرنا هي جعل القلق البيئي وقضايا الصحة العقلية الأخرى المتعلقة بتغير المناخ أكثر وضوحًا بين العلماء والممارسين وسيعود هذا الوعي بالفائدة على الأشخاص الأكثر ضعفًا والأقل مسؤولية عن التسبب في حالة الطوارئ المناخية العالمية.