أيهما ينهي معاناة مرضى
السكري أولًا
العلاج بالجينات أم بالخلايا الجذعية؟
د. مروة عبد الفتاح- كيمياء- الجامعة الأمريكية- مصر
ينتج السكري من النوع الأول من مهاجمة الجهاز المناعي لخلايا بيتا في البنكرياس المنتجة لهرمون الأنسولين المسؤول عن ضبط مستوى الجلوكوز (السكر) في الدم؛ لذا فهو يعد مرضًا مناعيًا أيضيًا. وعدم انتظام مستوى السكر في الدم يؤدي إلى العديد من المضاعفات التي قد تهدد الحياة، مثل أمراض القلب والكلى والتهاب الأعصاب، واعتلال الشبكية، والعدوى الجلدية، وغيرها. ومن المؤسف أنه لا يوجد إلى الآن علاج جذري لداء السكري، حيث يعتمد المرضى على استخدام حقن الأنسولين التي تعمل بدورها على محاولة ضبط معدل السكر في الدم، لكنها ليست على نفس القدر من فاعلية الهرمون المفرز طبيعيًا داخل الجسم.
فتحت الثورة في أبحاث الجينات والخلايا الجذعية أبوابًا جديدة للعلماء لفهم أسباب الكثير من الأمراض وبحث طرق علاجها، ويتبنى الباحثون في هذه العلوم استراتيجيات عديدة لمساعدة ذوي الأمراض المزمنة على التخلص من معاناتهم المستمرة، ومنها:
العلاج الجيني (Gene Therapy)
ويعني هذا المصطلح في العموم تغيير جزء من التركيب الجيني للمريض بغرض العلاج، ويدخل في هذا المنطلق استبدال الجين المسبب للمرض بنسخة سليمة منه، أو تعطيل عمله، أو إدخال جين جديد إلى الجسم لعلاج المرض. وفي بعض الأحيان قد يلجأ العلماء إلى تعديل أو إصلاح جزء من الجين الذي به خللٌ أدى إلى الإصابة بالمرض ويُشار إلى هذا التدخل بالتعديل الجيني (Gene Editing).
العلاج باستخدام الخلايا الجذعية (Stem Cell Therapy)
الخلايا الجذعية، هي خلايا أولية غير متخصصة لديها القدرة على الانقسام تحت ظروف محددة داخل الجسم أو في معامل الأبحاث لتكون خلايا وظيفية متخصصة كخلايا المخ، والقلب، والدم، وغيرها. لذا يسعى العلماء إلى الحصول على خلايا متخصصة سليمة من الخلايا الجذعية وزراعتها داخل جسم المريض ومن ثم تقوم بعمل الخلايا المريضة؛ لذا يطلق عليه أيضًا الطب التجديدي (Regenerative Medicine).
العلاج باستخدام الخلايا الجذعية (Stem Cell Therapy)
الخلايا الجذعية، هي خلايا أولية غير متخصصة لديها القدرة على الانقسام تحت ظروف محددة داخل الجسم أو في معامل الأبحاث لتكون خلايا وظيفية متخصصة كخلايا المخ، والقلب، والدم، وغيرها. لذا يسعى العلماء إلى الحصول على خلايا متخصصة سليمة من الخلايا الجذعية وزراعتها داخل جسم المريض ومن ثم تقوم بعمل الخلايا المريضة؛ لذا يطلق عليه أيضًا الطب التجديدي (Regenerative Medicine).
يعد العلاج بالخلايا الجذعية تطورًا لفكرة زراعة الأعضاء، حيث يُزرع نسيج معافى مستحدثٌ من خلايا أولية، بدلًا من زراعة العضو بأكمله، وبذلك يتغلب على مشكلة عدم توفر عددٍ كاف من المتبرعين بالأعضاء. يجري العلماء الآن العديد من التجارب لاستخدام هذه الاستراتيجيات لعلاج مرضى السكري من النوع الأول ومساعدتهم على التخلص من حقن الأنسولين اليومية وضغط مراقبة مستوى السكر في الدم باستمرار والحد من مضاعفاته، ولكن لا تزال هناك معوقات كثيرة تعرقل تطبيق هذه الاستراتيجيات؛ لذا فهي تحتاج للمزيد من البحث للتغلب عليها. نستعرض فيما يلي بعض الأبحاث في هذا الصدد مع ما تقدمه من أمل جديد لمرضى السكري وما يحول دون تطبيقها من معوقات.
العلاج الجيني والسكري
تمكن العلماء خلال العقود القليلة الماضية من تحديد الجينات المسببة لداء السكري من النوع الأول. ومع تقدم علم الهندسة الوراثية، أصبح هناك العديد من الطرق أمام الأطباء لإيجاد علاجٍ جذريٍّ لداء السكري من النوع الأول ومواجهته، منها:
- إدخال جينات تستطيع تعديل وتنظيم ردة فعل الجهاز المناعي تجاه خلايا بيتا بالبنكرياس فلا يستطيع مهاجمتها وتدميرها. فعلى سبيل المثال أُدخلت عدة جينات على فئران التجارب من شأنها إنتاج أجسام مضادة تستطيع التعرف على الخلايا التائية المناعية (T-Cells) – التي تستهدف خلايا بيتا- والقضاء عليها أو منعها من الارتباط بالمستضدات (Antigen) على خلايا بيتا وتدميرها. وفي سبيل هذه النتيجة أيضًا، أُجريت إحدى الدراسات لحماية خلايا بيتا من تأثير التفاعلات المناعية المدمرة واستعادة كفاية الخلايا المصابة لتفرز الأنسولين مجددًا وذلك باستخدام جين (Reg3G) الذي يحفز إنتاج العديد من المركبات التي لها تأثير مضاد للالتهابات والشيخوخة ومقاومة التفاعلات المناعية الضارة.
لكن هذه الاستراتيجية تتطلب التشخيص المبكر جدًا لداء السكري – وليس هذا هو الحال في الأغلب- قبل أن يتمكن من القضاء على جزء كبير من خلايا بيتا. كما أنها أظهرت نتائج قصيرة المدى، لأن التفاعلات المناعية الذاتية غالبًا ما تكون معقدة جدًا وغير متوقعة فتتمكن من تطوير نفسها لتعود إلى عملها مرة أخرى.
- يبحث أيضًا العلماء إعادة برمجة بعض الخلايا لتؤدي وظيفة خلايا بيتا في إنتاج هرمون الأنسولين، مثلما قامت به إحدى الدارسات من تحويل خلايا ألفا بالبنكرياس (كونها خلايا غدد صماء كخلايا بيتا) إلى خلايا لديها القدرة على إنتاج الأنسولين، تمكنت بالفعل من استعادة مستويات السكر الطبيعية في الدم وذلك لمدة أربعة أشهر في فئران التجارب، مما قد يتطور ليصبح عقودًا عند تطبيقه على الإنسان. وقد صرح القائمون على هذه الدراسة أنهم لم يلجؤوا إلى إعطاء الفئران أدوية مثبطة للمناعة وهذا هو الجزء المذهل في هذه النتائج، حيث إن أكثر ما يؤرق الأطباء هو ضرورة تناول المرضى مثبطات المناعة -ذات الآثار الجانبية الضارة- مع زراعة الأنسجة أو الخلايا حتى لا يحاربها الجسم كجزء غريب عنه. وفي هذا الصدد أعلنت شركة جين بريكس (Genprex, inc) عن تعاونها مع جامعة بيتسبرغ (University of Pittsburgh) لاستخدام هذه التقنية لبدء التجارب السريرية الأولية لعلاج مرضى السكري من النوع الأول.
كما برمج العلماء أيضًا الخلايا الكبدية لتستطيع إنتاج الأنسولين، وقد أظهرت بعض النتائج انتظام مستوى السكر بالدم، لكن لفترة قصيرة المدى حيث عادت مستويات السكر في الدم للارتفاع نتيجة لنقص إنتاج الأنسولين، مما يشير إلى أنه لايزال أمام العلماء تحديًا مع جهاز المناعة لمنعه عن مهاجمة الخلايا المبرمجة كما يفعل مع خلايا بيتا الحقيقة بالجسم.
- إدخال الجين المنتج للأنسولين فقط عن طريق حقنه في الدم ليؤدي وظيفة خلايا بيتا التي دمرتها التفاعلات المناعية الذاتية، ورغم أن هذه الاستراتيجية تبدو بسيطة، إلا أن أمامها العديد من الصعوبات التي يبحث العلماء طرق مواجهتها، مثل أن تكون هذه الجينات حساسة لمستوى السكر في الدم وتستطيع الاستجابة له بشكل مناسب دون إفراط أو تفريط، كما يجب أن تكون لديها القدرة على تخزين الأنسولين لتستطيع إفرازه سريعًا في الدم عند الحاجة.
- الإفراط في التعبير الجيني لبعض الجينات التي من شأنها تكوين أنواع من البروتينات تعمل على حماية خلايا بيتا بالبنكرياس من مهاجمة الجهاز المناعي لها. مثال ذلك الدراسات التي قام فيها الباحثون بزيادة التعبير الجيني لبعض الجينات في خلايا بيتا بالبنكرياس مثل:
- جين عامل نمو شبيه الأنسولين (IGF-1 gene) وهو يعمل على تنظيم وظيفة الجهاز المناعي تجاه خلايا بيتا ويحميها ويزيد إنتاجها للأنسولين، وفي دراسة على الفئران استعاد %80 منها مستوى السكر الطبيعي في الدم بعد إفراط تعبير جين عامل نمو شبيه الأنسولين.
- جين كلوث (Klotho gene) وهو جين مكافح الشيخوخة كان معروفًا بأنه يعمل فقط بخلايا الكلى وبعض خلايا المخ، ولكن اكتشف العلماء مؤخرًا أن خلايا بيتا تستطيع التعبير عنه وأن عدم عمله بالبنكرياس يؤدي إلى موت الخلايا تدريجيًا؛ لذا فإن زيادة التعبير عنه مع الجين المحفز لخلايا بيتا قد يؤدي إلى حمايتها بفاعلية.
الخلايا الجذعية والسكري
تمكن الباحثون من استخلاص الخلايا الجذعية من عدة مصادر منها:
- خلايا جذعية جنينية: تنشأ في غضون ثلاثة إلى خمسة أيام من تكون الجنين عندما يكون بحجم 150 خلية تقريبًا.
- خلايا جذعية بالغة: توجد في أغلب أنسجة الإنسان البالغ، ولكن بأعداد قليلة وإمكانيات أقل من الخلايا الجذعية الجنينية في التخصص لأنواع خلايا وظيفية أخرى.
- خلايا جسدية بالغة مبرمجة: تمكن العلماء من تحويل بعض الخلايا الجسدية إلى خلايا جذعية جنينية عن طريق برمجة الجينات، ومن ثم تحويل هذه الخلايا إلى أخرى متخصصة يمكن استخدامها لعلاج بعض الأمراض كالفشل القلبي.
- خلايا جذعية قبل الولادة: اكتشف العلماء وجود الخلايا الجذعية في السائل السلوي المحيط بالجنين وكذلك في دم الحبل السري.
ولأن جميع أنواع الخلايا الجذعية لديها القدرة على التحول إلى خلايا وظيفية متخصصة سواء داخل الجسم أو في المختبر، اتجهت كثير من الأبحاث إلى محاولة استخلاصها والتحكم في تغييرها إلى خلايا متخصصة سليمة بتحفيز بعض التعبيرات الجينية وتثبيط بعضها الآخر، ومن ثم استخدامها لتعويض الخلايا التالفة بالجسم والمسببة لكثير من الأمراض ومنها داء السكري من النوع الأول.
وقد نجح الباحثون بشركة فيرتيكس (Vertex Pharmaceuticals) في تحويل الخلايا الجذعية الجنينية إلى خلايا بيتا كتلك الموجودة بالبنكرياس ثم حقنها في جسم شيلتون، وهو ساعي بريد يعاني من داء السكري من النوع الأول منذ أربعين عامًا، في أول تجربة سريرية لهذا النوع من العلاج الذي أطلق عليه اسم (VX-880). ومع تناول شيلتون لنصف الجرعة المقررة ظهرت العديد من النتائج المبشرة للعلاج، حيث زادت كمية بيبتيد-سي في الدم أثناء الصيام والإفطار وهو مؤشر لزيادة إنتاج الأنسولين بالجسم، كما دلّ تحسن نتائج اختبار الهيموجلوبين السكري (HbA1C) على السيطرة على نسبة السكر بالدم خلال فترة اختبار العلاج.
تمهد هذه النتائج الطريق للوصول لعلاج فاعل يزيح عن مرضى السكري من النوع الأول ألم وخز حقن الأنسولين يوميًا. لكن ما يأخذه الباحثون على هذه التجربة السريرية هو تناول المريض لجرعات كبيرة من مثبطات المناعة، تجنبًا لأي ردة فعل مناعي يؤدي إلى رفض الجسم للخلايا التي حُقنت. لذا صرح أحد المسؤولين بشركة فيرتكس أن الشركة تجري أبحاثًا لزراعة هذه الخلايا المستحدثة بعد تغليفها في صورة كبسولات من شأنها التحايل على الجهاز المناعي حتى لا يهاجمها؛ فلا يحتاج المريض معها لتناول مثبطات المناعة ذات الآثار الضارة. بينما أعلنت شركة فياسيت (ViaCyte)، إحدى الشركات العاملة في مجال الخلايا الجذعية عن اتفاق تعاون مع شركة كريسبر (CRISPR Therapeuics)، وهي شركة رائدة في تقنيات التعديل الجيني، لدمج العلاج بالخلايا الجذعية مع التعديل الجيني (الهندسة الجينية) وذلك لتخطي تحدي مهاجمة الجهاز المناعي للخلايا المزروعة ودون اللجوء إلى تغليفها الذي أدى إلى تقليل كفايتها في إحدى التجارب.
كما صرح الباحثون في جامعة بريتش كولومبيا (British Columbia) عن عزمهم البدء في إجراء التجارب السريرية لهذا النوع من الخلايا الجذعية المعدل وراثيًّا بنهاية عام 2022 بالتعاون مع شركتي فياسيت (ViaCyte) وكريسبر (CRISPR Therapeutics)، من شأن هذه التعديلات مراوغة الخلايا التائية المناعية التي تحارب خلايا بيتا وتسبب داء السكري، وبذلك تستجيب خلايا بيتا المزروعة لزيادة الجلوكوز في الدم، ومن ثم إنتاج الإنسولين طبيعيًا للتحكم بمستوى السكر في الدم. رغم ما تقدمه هذه الأبحاث والتجارب السريرية من وعود براقة لعلاج السكري من النوع الأول، إلا أن جميعها لايزال تحت الدراسة ولا أحد يعلم أي منها سيكون له السبق بتحقيق هذه الوعود بفاعلية وأمان. فالعلاج الجيني يقدم نتائج واعدة، لكن ينقصه الحماية من جهاز المناعة وإطالة زمن عمله وزيادة استجابته للسكر في الدم. بينما يقدم العلاج باستخدام الخلايا الجذعية حلًا لنقص المتبرعين وضرورة تناول المرضى لمثبطات المناعة بعد زراعة الأنسجة والخلايا؛ لأنه يمكن استخدام خلايا المريض نفسه، لكن ما يعيق تطبيقه هو التحكم في ظروف تحويل الخلايا الجذعية إلى خلايا متخصصة وكذلك تقنيات إدخالها إلى الجسم، وضمان عدم تعرضها لتفاعلات المناعة الذاتية.